طفل الحافلة – قصة قصيرة

الساعة الخامسة وعشر دقائق مساءً، لا يهم إن كنا في الصيف، أم الشتاء أم الربيع أو حتى الخريف، وحدها الأعطال الرسمية ونهاية الأسبوع تستطيع ان تثنيه عن ركوب الباص.

شيئان يرافقانه منذ سنتين، أمّ لا تزال في ريعان شبابها وحقيبة لم تتبدل منذ لقائنا الأول. قرابة الخمس سنوات أمضاها هذا الطفل في هذه الحياة حين صادفته للمرة الأولى، كنت لا أزال جديداً في هذه البلاد، لم يكن السأم قد احتل جميع حواسي بعد. ملامحه مكسيكية جامدة، لا يضحك إلا فيما ندر، متطلّب جدا ومتعكر المزاج –كنت في أغلب الأوقات أبرر طباعه للوقت الطويل الذي قد يمضيه في المدرسة أو في انتظار والدته- لم أكن حينها أعرف الكثير عن طباع المكسيكيون الذين هاجروا مثلي إلى أميركا من قبل.

تنصاع له والدته في جميع الأحيان، ربما هي تخاف صراخه وبكاءه الذي لا يتوقف في حال رفضت أن تجلس حيث يريد. في إحدى المرات، كانت الحافلة تعجّ بالركاب، والعتمة تسيطر على الشارع كما الثلج المتراكم على الأطراف، وقف عند الدرجات الصغيرة في وسط الحافلة وطلب منها أن تجلسه في المقعد الخلفي، رفضت وطلبت منه بلكنة اسبانية أن يجلس بالقرب منها، في المقعد المزدوج وسط الحافلة، رفض وعاندها، لا بل وتقدم وحده نحو المقعد الأخير. كنت أقف خلفها مباشرة، أنتظرها كي تجلس لأستطيع أن آخذ مكاناً ما. حتى سائق الحافلة كان ينتظرنا حتى نجلس فينطلق. أوقف الحافلة لدقائق في جدال غاضب من طرفه ومحرج من طرف والدته، قبل أن تنصاع له وتجلس في المقعد الخلفي. كان خوفها مرتبطا بالبرد الذي يتسلل عبر فتحات التهوئة في الخلف. البسمة تحتل وجهه الذي ألصقه بزجاج النافذة، قبل أن يبعده البرد عنها، فيتغلغل بين أضلع أمه التي غمرته.

عيناها ثابتتان إلى الأمام، لا يبدد تركيزها وهدوءها إلا تصرفاته، لم أرها من قبل ترتدي بنطالا، هما تنورتان فضفاضتان تبدلهمّا كل فترة، حتى شعرها لم يصدف أن شاهدته منسدلاً على كتفيها إلا مرّة واحدة، وحينها كانت ربطة الشعر بيده. تربطه إلى الخلف كذنب الحصان، ويكاد لفرط نعومته ان يبدو اصطناعيا. في حضنها حقيبة تملؤها رسومات الفاكهة، حقيبة مخصصة لأغراض الأطفال. في بعض الأحيان ألمح فيها كنزة أو قبعة، وفي كثير من الأحيان تُخرج منها تفاحة أو لعبة بلاستيكية كي يتلهى بها إلى أن يصل المنزل.

لا أعرف موعد ميلاده، إلا أنني أذكر جيدا أنني كنت شاهدا على اثنين منهما، الأول كان يضع على رأسه تاجا كرتونيا لا بد أنهم صنعوه له في المدرسة والثاني حين قرر فتح كيس كانت تحمله أمه في الحافة ويخرج منها لعبة لفّت بورقة مخصصة لهذه المناسبات. ضمّها بعشوائيّة وحنان وقبّلها على خدّها قبل أن ينصرف ليكتشف ماذا أحضرت له أمّه.

هي هكذا، لا تتلفت يمينا أو شمالا، إما نظراتها عليه وإما إلى الطريق، لا توزع النظرات على ركاب الحافة، إذ أنه لم يصدف يوما أن إلتقت عيني بعينها. بشرتها بيضاء وعيناها بنيتان متوسطتا الحجم. تجلس بشكل منتظم على طرف الكرسي حين يقرر صغيرها أن يتمدد، وحين يمنحها حقها بالمساحة، تجلس بشكل منظّم، لم أرها يوما تتكئ على شيء. باردة وهادئة، تهمس له همسا، تخرج هاتفها من الحقيبة فقط لتعطيه إياه كي يلعب، لم أسمع صوتها يوما وهي تتكلم على الهاتف، أو تكتب حتى رسالة. الهدوء والغموض يلفانها. في إصبع يسراها خاتم زواج متواضع، يفتح المجال لخيالك أن تخمّن شكل الوالد. هو رجل خمسيني، يعمل بالبناء أو في أحد المطاعم، أو حتى في الأعمال الأخرى التي يشتهر بها المكسيكيين في أميركا. أما هي، هذه الأم المتواضعة المتفانية التي تتحرك بانتظام، والتي لم تتخلف يوما عن حافلة الساعة الخامسة وعشر دقائق، تراها تعمل في أحد الشركات، بالقرب من مدرسة ابنها، تتجه برفقته في الصباح الباكر قبل أن تعود للمنزل وتبدأ في مهام المنزل.

عامان وهما يكبران أمام عينيّ، الشيب يجتاح رأسها بوتيرة بطيئة جدا، في حين أن ملامح الفتى تتغير بشكل كبير، فأنا أعرف جيدا معطفه الشتوي، وحذاءه الكحلي، وثيابا كثيرة، حتى أنني أعرف عقدات أصابعه، وعدد أسنانه الذي فقد احداها قبل أشهر، حتى أنني أعرف كيف يفضّل أن يسرّح شعره ومتى يقصّه، وأعرف طول أظافر أصابعه الصغيرة، واسوداد الجلد عند ركبتيه صيفا. أعرف تفاصيله جيدا، فأنا أراقبه منذ عامين. ابتسم له في معظم الأحيان دون أن يردّ عليّ الابتسامة. أشعر اليوم أن لهذا الطفل ارتباط وثيق بي، فأنا أرعاه بشكل غير مباشر، أراقب نمّوه وتغيّر شكله وصوته ومقاساته، فهو ينمو بسرعة. أذكر جيدا كيف كان شكله قبل عامين، وكيف أصبح الآن، وأستطيع أن ألاحظ إدراكه للأشياء حوله بشكل أكبر، أنا أحفظ تفاصيل هذا الفتى، في حين تغيب تفاصيل “دانيال” عنّي منذ عامين، فهو يكبر وينمو وتتغير مقاساته وتطول جمله وكلماته وهو بعيد عنّي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *