كاميرا بلاستيكية – قصة قصيرة

حين طلبت منه أن يحضر لي كاميرا بلاستيكية، رفض. كانت هذه الكاميرا آخر صيحات تلك الحقبة، تدخل فيها أقراصاً صنعت من ملصقات النيغاتيف، فيها صور للحيوانات، وأخرى لأماكن سياحية مشهورة.. وغيرها من القصص.

الثامنة مساءً، صوته كصوت المنبّه، لا يخطئ التوقيت. “لقد حان موعد النوم”. رغم مرور أعوام كثر إلا أن ساعتي البيولوجية لم تعتد النوم في الوقت المحدد، أتقلب في مكاني، ولا أنام إلا حين أضع أصابع قدمي على الحائط الذي يسند ظهر التخت، كنت أتعمد أن أضغط على الحائط بإصبع رجلي الكبير، ومع مرور الوقت، بدت تعرجات على الحائط الخشبي لبيتنا تظهر، قبل أن يبتلع الحائط إصبعي بشكل بسيط، ثم بدأت الكوّة تتسع أكثر، حتى ابتلعته بأكمله.

حين أدخل إلى النوم تنفيذا لأمره، كنت أغلق الباب خلفي، أضع الغطاء فوق رأسي وأدخل عيني في الثقب، وأشاهد. لم يكن بإمكاني أن أدخل الأقراص داخل الجدار لأشاهد، إلا أنها كانت في مخيلتي، أشاهدها على طريقتي.

الحر يضغط على صدري تحت الغطاء، وعيني اليمنى تتجمد بردا من سقيع الثلج الآتي من الثقب. الثلج يغطي المدينة، ومداخن المدافئ تلفظ دخانها السام من أسطح المباني، والأطفال يهرولون إلى بيوتهم، يشبهون الدببة من كثرة اللبس، لا ترى إلا أعينهم، ولولا مشيتهم الآدمية لاعتقدتهم دببة صغار يبحثون عن طعام في المدينة. تمضي بعض الدقائق دون حركة، وكأن أهل المدينة اختفوا بتعويذة ما، قبل أن يكسر صوت جنازير الدبابات هدوء المدينة. يمرّ الموكب بلا عناء فوق الثلج المتراكم، يفتته. ليعود الهدوء ويفرد جسده فوق كهل المدينة. صرخة واحد تشقّ الجسد تخرج من حانة، ثم تقذف أبوابها سكّيراً إلى الخارج، يستلقي أرضا ساندا ظهره إلى عجلة سيارة تركن أمام الحانة، يتفوه بكلمات صعبة قبل أن يجمع قواه ليقف ويحاول اللحاق بسيدة ظهر بياض فخذيها حين كانت تحاول ارتداء المعطف على عجل وهي خارجة من الحانة. صوت أغانٍ خجول يصارع زجاج الحانة ليخرج. قبلة سريعة لمحتها من خلف ستار شقة في الطبقة الرابعة لمبنى في مرمى عيني، قبلة جافة لا تحمل من الحنان والدفئ شيء، قبلة حوّلتها الايام إلى فرض. يقول أغلب المتزوجين أن العلاقات الحميمية تتقلص مع مرور الأيام، وأن الزمان كافٍ ليبدد اللهفة ويقضي على الدفئ والحنان، فيصبح كل شيء فرضاً أو تكراراً. يصبح كل شيء يلا معنى. لا أعتقد أن هذا القول ينطبق على الجميع، ولعلّ أكبر التحديات التي يواجهها الشريكان هو إبقاء ما إلتقيا عليه حيّا، هذا ما كان يقوله والدي قبل أن تأخذ الحياة منه ما بقي من عمره ويمضيان بعيدا. سنواته العشرين التي امضاها مع أمي لم يكن فيها من البرودة وانعدام الحنين شيء، هذا ما كنت أشاهده، وهذا ما قالته أمي في ما بعد بالسر عن زوجها الجديد في جلسات النميمة التي كانت تقيمها مع جيرانها صباح يوم الجمعة.

إصبع رجلي تضخّم فيما بعد، كسور صغيرة بقيت مختبئة تحت الجلد، لم أتنبه لها إلا بعد أسابيع. لم أخبر أحدا بها، وبدأ إصبعي يتضخّم أكثر وأكثر. لم تعد تتسع جواربي له، قصصتهم، وحررت الأصابع. التضخّم عانق قالب الأحذية التي كنت أرتديها، الضغط ازداد، لم أعد أستطيع المشي واصبعي محتجز داخلها. كل هذا لم يمنعني يوما عن مراقبة العالم، ثقبت الكوّة قلبي ومخيلتي، وبدأت العوالم تتصارع في الدائرة، وفي عيني، وفي اصبعي المتضخم. المخيلة تتسع، والكوّة والأحذية أيضا، وأنا أتألم نهارا حين أمشي وأبحر ليلا.

الدمعة في عيني تتجمد، بدأ الليل يهطل بسرعة على ستالينغراد، والنعاس يخيّم على ما بقي من يقظة في أجفاني. بدأت ترتجف عضلاتها في حين أن عيني الأخرى اعتادت العتمة، فبعد مرور أشهر على انفتاح عالمي الجديد عبر الثقب، أُغلقت مساحة النظر المفتوحة في عينيّ، لم يعد بمقدوري أن أقرأ بهما معا، أو أن أركّز على شيء ما إلا حين أغمض عيني اليسرى. هذه الخسارة لم تكن تهمّني، لقد فزّت بالعالم أجمع محصوراً في ثقبي، وخسرت عينا واحدة، لا يهم. أمّا اصبعي، فقد وقع من شدّة انتفاخه. وقع كل شيء، إلا حلمي بالحصول على الكاميرا. لم أكن أعلم حين طلبت الكاميرا أنها باهظة الثمن، وأنني أستطيع أن أقايض أعضائي بها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *